ابن قيم الجوزية
622
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والثاني : أنفاس المحبة والإرادة . وما يتعلق بالمعروف المذكور . وبالمحبوب المراد من الذاكر والمحب . و « صدقها » خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ . وقوله : « لأهل الهمم العالية » فهي التي لا تقف دون اللّه عزّ وجلّ . ولا تعرّج في سفرها على شيء سواه . وأعلى الهمم : ما تعلق بالعليّ الأعلى . وأوسعها : ما تعلق بصلاح العباد . وهي همم الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وورثتهم . وقوله « في الأحايين الخالية » . يريد بها : ساعات الصفاء مع اللّه تعالى ، وأوقات النفحات الإلهية ، التي من تعرض لها يوشك أن لا يحرمها . ومن أعرض عنها فهي عنه أشد إعراضا . وقوله « في الأسماع الصاخية » . فهي التي صحت من تعلقها بالباطل واللغو ، وأصاخت لدعوة الحق ، ومنادي الإيمان . فإن الباطل واللغو خمر الأسماع والعقول . فصحوها بتجنبه والإصغاء إلى دعوة الحق . قوله « وهو علم يظهر الغائب » أي يكشف ما كان غائبا عن العارف . قوله « ويغيب الشاهد » أي يغيبه عن شهود ما سوى مشهوده الحق . « ويشير إلى الجمع » وهو مقام الفردانية ، واضمحلال الرسوم ، حتى رسم الشاهد نفسه . واللّه سبحانه أعلم . قال « الدرجة الثالثة : علم لدنّي . إسناده وجوده ، وإدراكه عيانه . ونعته حكمه . ليس بينه وبين الغيب حجاب » . يشير القوم بالعلم « اللدنّي » إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة ، بل بإلهام من اللّه ، وتعريف منه لعبده ، كما حصل للخضر عليه السلام بغير واسطة موسى « 1 » قال اللّه تعالى : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . وفرق بين الرحمة والعلم . وجعلهما « من عنده » و « من لدنه » إذ لم ينلهما على يد بشر ، وكان « من لدنه » أخص وأقرب من « عنده » ولهذا قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) [ الإسراء : 80 ] ف « السلطان النصير » الذي من لدنه سبحانه : أخص وأقرب مما عنده . ولهذا قال تعالى : وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] وهو الذي أيده به . والذي من عنده : نصره بالمؤمنين كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 62 ] . و « العلم اللدني » ثمرة العبودية والمتابعة ، والصدق مع اللّه ، والإخلاص له ، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله . وكمال الانقياد له . فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه
--> ( 1 ) كان الخضر عبدا رسولا في ناحية وموسى عبدا رسولا في ناحية أخرى . وكان في موسى بقية من حدة مما تربّى عليه في بيت فرعون . فقام خطيبا . فسأله سائل : « من أعلم الناس ؟ فقال : أنا . ولم يرد العلم إلى اللّه » فعتب اللّه عليه . وأمره أن يذهب ليتعلم من نبيه الخضر الذي أوحى إليه ربه بأن يعطيه الدروس المناسبة . لتسرعه الذي ظهر بوكز المصري وكزة قضت عليه . كما ورد ذلك في صحيح البخاري .